الشيخ ابراهيم الأميني

92

تزكية النفس وتهذيبها

وقال عليه السّلام أيضا : « أيها الناس إنما الدنيا دار مجاز والآخرة دار قرار ، فخذوا من ممركم لمقركم ، ولا تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم ، وأخرجوا من الدنيا قلوبكم من قبل أن تخرج منها أبدانكم ، ففيها اختبرتم ولغيرها خلقتم ؛ إن المرء إذا هلك قال الناس : ما ترك ؟ وقالت الملائكة : ما قدم ؟ للّه آباؤكم ! فقدموا بعضا يكن لكم قرضا ، ولا تخلفوا كلا فيكون فرضا عليكم » « 1 » . وقال أيضا : « ألا وإن هذه الدنيا التي أصبحتم تتمنونها وترغبون فيها ، وأصبحت تغضبكم وترضيكم ، ليست بداركم ، ولا منزلكم الذي خلقتم له ، ولا الذي دعيتم إليه . ألا وإنها ليست بباقية لكم ولا تبقون عليها ، وهي وإن عرتكم منها فقد حذرتكم شرّها . فدعوا غرورها لتحذيرها وأطماعها لتخويفها ، وسابقوا فيها إلى الدار التي دعيتم إليها ، وانصرفوا بقلوبكم عنها » « 2 » . وكما لاحظتم فقد عرفت الدنيا في هذه الأحاديث على الشكل التالي : فانية ، زائلة ، عابرة ، مجاز ، ومعبر لا مستقر ، دار غرور وخداع ، لم يخلق الناس لها بل خلقوا للآخرة ، جاء الإنسان إلى هذه الدنيا كي يربي نفسه ويهذبها بالعلم والعمل وكي يجهز زاد الآخرة . أهل الآخرة : يريد الإسلام أن يعرف العالم للناس بهذا الشكل الذي هو عليه ، ليتصرفوا طبق هذه الرؤية ؛ الذين يعرفون الدنيا هكذا لن ينخدعوا أو يتعلقوا بها ؛ يعيشون فيها ويستفيدون من نعمها ولذاتها المشروعة دون أن يصبحوا أسراها وعبيدها ؛ لن ينسوا اللّه أو عالم الآخرة أبدا ، فيسعون دائما لتجهيز زاد الآخرة بالعمل الصالح ؛ يحيون في هذه الدنيا ولكن أعينهم معلقة بالأفق الأعلى والأرفع ؛ لا يقومون بعمل دون رعاية حضور اللّه تعالى ؛ يشعرون بوجوده في كل لحظة ومع كل حال يكونون عليها ؛ يستفيدون من كل شيء لمصلحة الآخرة ؛ يعتبرون الدنيا مزرعة ومحلا للتجارة

--> ( 1 ) نهج البلاغة ، خ 203 . ( 2 ) نهج البلاغة ، خ 173 .